فصل: تفسير الآيات رقم (98- 101)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 68‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏65‏)‏ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏66‏)‏ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏67‏)‏ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏68‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن عبَّاس وغيره‏:‏ اجتمعت نصارى نَجْرَانَ، وأحبارُ يَهُودَ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبارُ‏:‏ ما كان إبراهيمُ إلاَّ يهوديًّا، وقالتِ النصارى‏:‏ ما كان إبراهيمُ إلاَّ نصرانيًّا، فأنزل اللَّه الآية‏.‏ ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ‏}‏، أي‏:‏ على زعمكم، وفسَّر الطبريُّ هذا الموضع؛ بأنه فيما لهم به علْمٌ من جهة كتبهم، وأنبيائِهِمْ ممَّا أيقنوه، وثَبَتَتْ عندهم صحَّته،

قال * ع *‏:‏ وذهب عنه ‏(‏رحمه الله‏)‏؛ أنَّ ما كان هكذا، فلا يحتاجُ معهم فيه إلى محاجَّة؛ لأنهم يجدونه عند محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ كما كان هناك على حقيقته‏.‏ قُلْتُ‏:‏ وما قاله الطبريُّ أَبْيَنُ، وهو ظاهر الآية، ومن المعلومِ أن أكثر احتجاجاتهم إنَّما كانَتْ تعسُّفاً، وجَحْداً للحَقِّ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا‏}‏ الآية‏:‏ أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن حقيقة أمر إبراهيم عليه السلام، ونفى عنه اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ، والإشراكَ، ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً أن أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيم هم القومُ الَّذين اتبعوه، فيدخلُ في ذلك كُلُّ من اتبع الحنيفيةَ في الفتَرَاتِ؛ و‏{‏هذا النبي‏}‏‏:‏ يعنِي‏:‏ محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بعث بالحنيفيَّة السَّمْحة، و‏{‏الذين ءَامَنُواْ‏}‏‏:‏ يعني‏:‏ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وسائرِ الأنبياء؛ على ما يجبُ ثم أخبر سبحانه؛ أنه وليُّ المؤمنين؛ وعداً منْهُ لهم بالنَّصْر في الدنيا والنعيم في الآخرة؛ روى عبدُ اللَّهِ بْنُ مسعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ‏:‏ «لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي إبْرَاهِيمُ»، ثِمَّ قَرَأَ‏:‏ ‏{‏إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏69- 71‏]‏

‏{‏وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏69‏)‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ‏(‏70‏)‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏71‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ‏}‏، قال مَكِّيٌّ‏:‏ قِيلَ‏:‏ إن هذه الآية عُنِيَ بها قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وبَنُو قَيْنُقَاع، ونصارى نَجْرَانَ‏.‏

* ص *‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَدَّت طَّائِفَةٌ‏}‏‏:‏ وَدَّ‏:‏ بمعنى تمنى، ويستعملُ معها‏:‏ «أَنْ، ولَوْ»، ورُبَّمَا جمع بينهما نَحْوُ‏:‏ «وَدِدتُّ أَنْ لَوْ فَعَلَ»، ومصدره الوَدَادَةُ، والاسْم منه الوُدُّ، وبمعنى‏:‏ أَحَبَّ، فيتعدى كتَعَدِّي أَحَبَّ، ومصدره‏:‏ مَوَدَّة، والاسم منه وُدٌّ، وقد يتداخَلاَنِ في الاسم والمصدر اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ‏}‏‏:‏ إعلامٌ بأن سوء فعلهم عائدٌ عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالُّون، ثم أَعْلَمَ تعالى؛ أنهم لا يشعُرُونَ بذلك، أي‏:‏ لا يتفطَّنون، ثم وقفهم تعالى موبِّخاً لهم على لسان نبيِّه، والمعنى‏:‏ قُلْ لهم، يا محمَّدُ‏:‏ لأيِّ سببٍ تكفرون بآياتِ اللَّه التي هي آياتُ القرآن، وأنتم تَشْهَدُونَ؛ أنَّ أمره وَصِفَةَ محمَّد في كتابكم؛ قال هذا المعنى قتادةُ وغيره‏.‏

ويحتملُ أنْ يريد بالآياتِ ما ظَهَرَ على يده صلى الله عليه وسلم من المعجزات‏.‏

قُلْتُ‏:‏ ويحتملُ الجميع من الآيات المتلوَّة والمعجزات التي شَاهَدُوها منه صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال * ص *‏:‏ ‏{‏وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ‏}‏‏:‏ جملةٌ حاليَّةٌ، ومفعول «تَشْهَدُونَ»‏:‏ محذوفٌ، أي‏:‏ أنها آيات اللَّه، أو ما يدلُّ على صحَّتها من كتابكم، أوْ بمثلها من آيات الأنبياء‏.‏ اه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لِمَ تَلْبِسُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تَخْلِطُونَ‏:‏ تَقُولُ‏:‏ لَبَسْتُ الأَمْرَ؛ بفتح الباءِ‏:‏ بمعنى خَلَطْتُهُ؛ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 9‏]‏‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ توقيفٌ علَى العنادِ ظاهرٌ‏.‏

وباقى الآية تقدَّم بيانه في «سورة البقرة»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 74‏]‏

‏{‏وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏72‏)‏ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏73‏)‏ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏74‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَجْهَ النهار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآيةِ أنَّ طائفة من اليهودِ مِنْ أحبارهم ذهَبَتْ إلى خديعة المسلمين بهذا المَنْزَع، قال قتادة وغيره‏:‏ قال بَعْضُ الأحبار‏:‏ لنظهر الإيمان بمحمَّد صَدْر النَّهار ثم لنكْفُر به آخر النهار، فسيقول المُسْلِمُون عنْد ذلك‏:‏ ما بَالُ هؤلاءِ كَانُوا مَعَنا ثم انصرفوا عَنَّا، ما ذاك إِلاَّ لأنهم انكشفت لهم حقيقةٌ في الأمر، فيشكُّون، ولعلَّهم يَرْجِعُون عن الإِيمان بمحمَّد، قال الإِمام الفَخْر‏:‏ وفي إِخبار اللَّه تعالى عن تواطئهم على هذه الحِيلَةِ من الفائدة وجوهٌ‏:‏

الأولُ‏:‏ أنَّ هذه الحِيلَةَ كَانَتْ مخفيَّةً فيما بينهم، فلما أَخْبَرَ بها عنهم، كان إخباراً بمغيَّب، فيكون مُعْجِزاً‏.‏

الثاني‏:‏ أنه تعالى، لما أطْلَعَ المؤمنينَ على تواطئهم على هذه الحيلة، لَمْ يحصل لهذه الحيلة أثرٌ في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام، لأمكن تأثيرها في قَلْب من ضَعُفَ إِيمانه‏.‏

الثالث‏:‏ أنَّ القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة، صار ذلكَ رَادِعاً لهم عن الإِقدام على أمثالها من الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ اه‏.‏

وذكر تعالى عن هذه الطائفةِ مِنْ أَهْل الكتابِ؛ أنهم قالوا‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ‏}‏، ولا خلافَ أن هذا القول هو مِنْ كلام الطائفةِ، واختلف النَّاسُ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ‏}‏، فقال مجاهد وغيره مِنْ أهل التأويل‏:‏ الكلامُ كلُّه من قول الطائفة لأتْباعهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله‏}‏ اعتراضٌ بَيْن الكلامَيْن؛

قال * ع *‏:‏ والكلامُ على هذا التأويل يحتملُ معانِيَ‏:‏

أحدها‏:‏ ولا تصدِّقوا وتؤْمنوا إلاَّ لمن جاء بِمِثْلِ دينِكُمْ؛ حذاراً أنْ يؤتى أحدٌ من النبوَّة والكرامة مِثْلَ ما أوتيتم، وحِذَاراً أنْ يحاجُّوكم بتصديقِكُمْ إيَّاهم عنْدَ ربِّكم، إذا لم تستمرُّوا عليه، وهذا القولُ على هذا المعنى ثمرةُ الحَسَدِ والكُفْر، مع المَعْرِفَةِ بصحَّة نبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ الكلام أنْ يكون معناه‏:‏ ولا تُؤْمنوا بمحمَّد، وتُقِرُّوا بنبوَّته؛ إذ قد علمتم صحَّتها إلا لليهودِ الَّذين هم مِنْكُمْ، و‏{‏أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ‏}‏‏:‏ صفَةٌ لحالِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى‏:‏ تستَّروا بإقراركم أن قَدْ أوتيَ مِثْلَ ما أوتيتم، أو فإنهم ‏(‏يعنون العربَ‏)‏ يحاجُّونكم بالإقرار عند ربِّكم‏.‏

وقرأ ابنُ كَثيرٍ وحْده مِنْ بَيْنِ السبعة‏:‏ «آنْ يُؤتى»؛ بالمد‏:‏ على جهة الاستفهام الَّذي هو تقريرٌ، وفسر أبو عليٍّ قراءة ابن كثيرٍ على أنَّ الكلام كلَّه من قول الطائفَةِ إلاَّ الاعتراض الذي هو‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله‏}‏؛ فإنه لا يختلفُ؛ أنَّه من قول اللَّه تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ فلا يجوزُ مع الاستفهام أنْ يحمَلَ‏:‏ «آن يؤتى» على ما قبله مِنَ الفَعْلِ؛ لأن الاستفهامَ قاطعٌ، فيجوزُ أنْ تكونَ «أَنْ» في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وخبرُهُ محذوفٌ، تقديره‏:‏ تُصدِّقون أو تعترفُون أو تذكِّرونه لغيركم، ونحو هذا ممَّا يدلُّ عليه الكلام‏.‏

قال * ع *‏:‏ ويكونُ «يحاجُّوكم»؛ على هذا معطوفاً على‏:‏ «أنْ يؤتى»‏.‏ قال أبو عَلِيٍّ‏:‏ ويجوز أنْ يكون موضع «أنْ» نَصْباً، فيكونُ المعنَى‏:‏ أتشيعونَ أو تَذكُرُون أنْ يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم‏:‏ ‏{‏أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 76‏]‏ فعلى كلا الوجهَيْن معنَى الآية توبيخٌ من الأحبارِ للأْتباعِ على تصديقهم بأنَّ محمَّداً صلى الله عليه وسلم نَبِيٌّ مبعوثٌ‏.‏

قال * ع *‏:‏ ويكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ يُحَاجُّوكُمْ‏}‏ في تأويل نصْب «أنْ» بمعنى‏:‏ أو تريدونَ أنْ يحاجُّوكم‏.‏

وقال السُّدِّيُّ وغيره‏:‏ الكلام كلّه من قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله‏}‏ إلى آخر الآيةَ‏:‏ هو ممَّا أُمِرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ أن يقوله لأمَّته‏.‏

وحكَى الزَّجَّاج وغيره؛ أنَّ المعنى‏:‏ قُلْ إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم‏.‏

ومعنى الآية على قول السدِّيِّ‏:‏ أيْ‏:‏ لم يعط أحدٌ مثْلَ حظِّكم، وإلاَّ فليحاجَّكم مَنِ ادعى سوى ذلك، أو يكون المعنى‏:‏ أو يحاجُّونكم؛ على معنى الازدراء باليَهُود؛ كأنه قال‏:‏ أو هَلْ لهم أنْ يحاجُّوكم، أو يخاصمُوكُمْ فيما وهبَكُم اللَّه، وفضَّلكم به، وقال قتادةُ والرَّبيع‏:‏ الكلامُ كلُّه من قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله‏}‏ إلى آخر الآية هو ممَّا أُمِر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يقوله للطائفة‏.‏

قال * ع *‏:‏ ويحتملُ أنْ يكون قوله‏:‏ ‏{‏أَن يؤتى‏}‏ بدلاً من قوله‏:‏ ‏{‏هُدَى الله‏}‏‏.‏ قلْتُ‏:‏ وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم‏}‏ في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم‏:‏ لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحداً مِثْلَ ما أتى بني إسرائيل؛ من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسيرُ نظيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 78‏]‏

‏{‏وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏75‏)‏ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏76‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏77‏)‏ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏78‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أخبر تعالى عن أهْل الكتاب؛ أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه في استحلالهم أموالَ العَرَبِ‏.‏ قال الفَخْرَ وفي الآية ثلاثةُ أقوال‏:‏

الأول‏:‏ أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة؛ لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْلُ كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذُ ماله‏.‏

الثَّاني‏:‏ أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهودُ‏.‏

الثالث‏:‏ قال ابنُ عَبَّاس‏:‏ أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفاً ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصاً اليهوديَّ ديناراً، فخانه، فنزلَتِ الآية‏.‏ اه‏.‏

قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامِهِ»‏:‏ قال الطبريُّ‏:‏ وفائدةُ هذه الآيةِ النهْيُ عن ائتمانهم على مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ المغربيُّ‏:‏ فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا على دِينٍ؛ يدُلُّ عليه ما بعده في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب‏}‏، والصحيحُ عندي‏:‏ أنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ تنبيهٌ، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ‏.‏ قال ابنُ العربيِّ‏:‏ فالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية؛ وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ‏.‏ قال البخاريُّ‏:‏ باب إثْمِ الغَادِرِ للْبَرِّ والفَاجِرِ‏.‏ اه‏.‏

والقِنْطَارُ؛ في هذه الآية‏:‏ مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالاً لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ؛ إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، ودَامَ‏:‏ معناه‏:‏ ثَبَثَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَائِمَاً‏}‏‏:‏ يحتملُ معنيين‏:‏ قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج‏:‏ معناه‏:‏ قَائِماً على اقتضاءِ حَقِّك، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم‏.‏

وقال السُّدِّيُّ وغيره‏:‏ معنى قَائِماً‏:‏ على رأسه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ‏}‏ الآية‏:‏ الإشارة ب «ذَلِكَ» إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي‏:‏ يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم لنا حلالٌ، متى قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه في غير مَا شَيْءٍ، وهم عَالِمُونَ بمواضعِ الصِّدْق،

قال * ص *‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏‏:‏ جملةٌ حاليَّةٌ‏.‏ اه‏.‏

ثم ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْنَا‏}‏؛ بقوله‏:‏ ‏{‏بلى‏}‏؛ أي‏:‏ عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر؛ على جهة الشرط؛ أنَّ مَنْ أوفى بالعَهْد، واتقى عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها؛ بحَسَب جريمتِهِ‏.‏

قال ابنُ العربِيِّ في «أحكامه»‏:‏ وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك‏:‏ أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ‏"‏، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال‏:‏ فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ‏:‏ فِيَّ نَزَلَتْ؛ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ‏:‏ ‏"‏ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ»، قُلْتُ‏:‏ إذَن يَحْلِفَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وذَكَرَ الحديث ‏"‏ اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ يَلْوُونَ‏:‏ معناه‏:‏ يحرِّفون ويتحيَّلون؛ لتبديل المعانِي من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعُّب التأويلات؛ كقولهم‏:‏ ‏{‏راعنا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 104‏]‏، ‏{‏واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 46‏]‏ ونحو ذلك، وليس التبديلُ المحْضُ بِلَيٍّ، وحقيقةُ اللَّيِّ في الثِّيَابِ والحِبَالِ ونحوها، وهو فَتْلُها وإراغتها؛ ومنه‏:‏ لَيُّ العُنُق، ثم استعمل ذلك في الحُجَج، والخُصُوماتِ والمُجَادلاتِ، والكِتَابُ؛ في هذا الموضع‏:‏ التوراةُ، والضميرُ في «تَحْسَبُوهُ» للمسلمين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله‏}‏‏:‏ نفْيٌ أنْ يكون منزَّلاً من عند اللَّه؛ كما ادعوا، وهو من عند اللَّه، بالخَلْق، والاختراع، والإيجاد، ومنهم بالتكسُّبِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏79- 80‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ‏(‏79‏)‏ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏80‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِبَشَرٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ معناه‏:‏ النفْيُ التامُّ؛ لأنا نقطع أنَّ اللَّه لا يؤتي النبوَّة للكَذَبَةِ والمدَّعِينَ، و‏{‏الكتاب‏}‏ هنا اسم جنس، و‏{‏الحكم‏}‏‏:‏ بمعنى الحكمةِ؛ ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْماً ‏"‏ وقال الفَخْر‏.‏ هنا اتفق أهْلُ اللغة والتفْسير على أنَّ هذا الحكم هو العلْم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 12‏]‏ يعني‏:‏ العلم والفهم‏.‏ اه‏.‏

«وثُمَّ»‏:‏ في قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ يَقُولُ‏}‏‏:‏ معطيةٌ تعظيمِ الذنْبِ في القولِ بعد مُهْلة من هذا الإنعام، وقوله‏:‏ ‏{‏عِبَاداً‏}‏‏:‏ جمع «عَبْدٍ»، ومن جموعه عَبِيد، وعِبِدَّى‏.‏

قال * ع *‏:‏ والذي أستقْرَيْتُ في لفظة العِبَادِ، أنه جَمْعُ عَبْدٍ، متى سيقَتِ اللفظةُ في مضمارِ الترفيعِ، والدلالةِ على الطاعة، دون أنْ يقترن بها معنى التَّحْقير، وتصغير الشأن، وأما العَبِيدُ، فيستعمل في التحْقِيرِ‏.‏

قال * ص *‏:‏ ونوقش ابْنُ عطيَّة بأنَّ «عِبِدَّى»‏:‏ اسْمُ جمعٍ، وتفريقه بيْن عِبَادٍ وعَبِيدٍ لا يصحُّ‏.‏ اه‏.‏

قلتُ‏:‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 17‏]‏ ونحوه يوضِّحه‏.‏ اه‏.‏

ومعنى الآيةِ‏:‏ ما كان لأحَدٍ من النَّاسِ أنْ يَقُولَ‏:‏ اعبدوني، واجعلوني إلَهاً، قال النَّقَّاشُ وغيره‏:‏ وهذه الإِشارة إلى عيسى عليه السلام، والآية رادَّة على النصارى، وقال ابنُ عَبَّاس وجماعةٌ من المفسِّرين‏:‏ بل الإشارةُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ اجتمعت الأحبارُ من يهودَ، والوَفْدُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ‏:‏ يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إلَهاً، كَمَا عَبَدَتِ النصارى عيسى، فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ‏:‏ أَوَ ذَاكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ، وَإلَيْهِ تَدْعُونَا‏؟‏ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَعَاذَ اللَّهِ‏!‏ مَا بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَلاَ إلَيْهِ دَعَوْتُ ‏"‏، فنزلَتِ الآية، قال بعْضُ العلماءِ‏:‏ أرادَتِ الأحبار أنْ تُلْزِمَ هذا القوْلَ محمَّداً صلى الله عليه وسلم، لَمَّا تلا علَيْهِمْ‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏ وإنَّما معنى الآيةِ‏:‏ فاتبعوني فيما أدْعُوكُمْ إليه مِنْ طاعة اللَّهِ، فحرَّفوها بتأوُّلهم، وهذا مِنْ نوع لَيِّهِمُ الكتابَ بألسنتهم، قال الفَخْر وقال ابنُ عبَّاس‏:‏ إن الآية نزَلَتْ بسبب قولِ النَّصَارَى‏:‏ المَسِيحُ ابن اللَّهِ، وقولِ اليهود‏:‏ عُزَيْرٌ ابن اللَّه وقيل‏:‏ إن رجلاً من المسلِمِينَ‏.‏ قَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَسْجُدُ لَكَ‏؟‏ فَقَالَ عليه السلام‏:‏ ‏"‏ مَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلاَّ لِلَّهِ ‏"‏ قيلَ‏:‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ يقوِّي هذا التأويل‏.‏ اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن كُونُواْ ربانيين‏}‏ الآيةَ‏:‏ المعنى‏:‏ ولكنْ يقول‏:‏ كونُوا ربانيِّين، وهو جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، قال قومٌ‏:‏ منْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ؛ من حيثُ هو عَالِمٌ ما علمه، عَامِلٌ بطاعته، معلِّم للناس ما أُمِرَ به، وزِيدَتْ فيه النُّونُ؛ مبالغةً، وقال قومٌ‏:‏ منسوبٌ إلى الرّبَّان، وهو معلِّم الناس، مأخوذ من‏:‏ رَبِّ يَرُبُّ، إِذا أصلح، وربى، والنُّون أيضاً زائدة؛ كما زيدَتْ في غَضْبَان، وعَطْشَان، وفي البخاريِّ‏:‏ الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّى النَاس بصغارِ العِلْمِ قبل كِبارِهِ‏.‏

قال * ع *‏:‏ فجملةُ ما يُقَالُ في الرَّبَّانِيِّ‏:‏ أنه العالمُ بالرَّبِّ والشرعِ، المصيبُ في التقديرِ من الأقوال والأفعال الَّتي يحاولُها في النَّاس، وقوله‏:‏ ‏{‏بِمَا كُنتُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ بسَبَبِ كونكُمْ عالمينَ دارِسِينَ، ف «مَا»‏:‏ مصدريةٌ، وأسند أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كتاب «فَضْلِ العِلْمِ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ العِلْمُ عِلْمَانِ، علْمٌ فِي القَلْب، فَذَلِكَ العِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ في اللسان، فذلك حُجَّة اللَّه ‏(‏عزَّ وجَلَّ‏)‏ على ابن آدَمَ ‏"‏، ومِنْ حديثِ ابن وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ هَلاَكُ أُمَّتِي عَالِمٌ فَاجِرٌ، وعَابِدٌ جَاهِلٌ، وَشَرُّ الشِّرَارِ جَبَّارُ العُلَمَاءِ، وَخَيْرُ الخِيَارِ خِيَارُ العُلَمَاءِ ‏"‏ اه‏.‏

وقرأ جمهورُ النَّاس‏:‏ «تَدْرُسُونَ»؛ بضم الرَّاء‏:‏ من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره‏.‏

وقرأ نافع وغيره‏:‏ «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ»؛ برفع الراء‏:‏ على القَطْع؛ قال سِيبَوَيْهِ‏:‏ المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره‏:‏ المعنى‏:‏ ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله‏:‏ ‏{‏أَن يُؤْتِيهُ الله‏}‏، المعنى‏:‏ ولا له أنْ يأمركم؛ قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ؛ من أنَّها عطْفٌ على قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ يَقُولُ‏}‏، والأربابُ؛ في هذه الآية‏:‏ بمعنى الآلهة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏81- 85‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏81‏)‏ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏82‏)‏ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ‏(‏83‏)‏ قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏84‏)‏ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏85‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق؛ حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى‏:‏ إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ؛ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنَّصْرَ له، وقال ابن عبَّاس‏:‏ إِنما أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏‏:‏ لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العَهْدَ في محمَّد صلى الله عليه وسلم‏:‏ لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ‏.‏

وقرأ حمزةُ‏:‏ «لِمَا»؛ بكسر اللام، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم؛ إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و«ما» في هذه القراءةِ بمعنَى «الَّذِي»، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره‏:‏ آتيناكموه، و«مِنْ»‏:‏ لبيانِ الجنسِ، و‏{‏ثُمَّ جَاءَكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف؛ تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه‏:‏ رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي‏:‏ «لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ» هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة «لَمَا»؛ بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين‏:‏

أَحدهما‏:‏ أنْ تكون «مَا» موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين‏}‏، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ‏:‏ ‏{‏لَتُؤْمِنُنَّ‏}‏، ولَتُؤْمِنُنَّ‏:‏ متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنى‏:‏ واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ وهو متَّجِه؛ بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين‏.‏

والوجْهُ الثاني‏:‏ أنْ تكونَ «ما» للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و«جَاءَكُمْ»‏:‏ معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على «مَا» ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 60‏]‏ لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله‏:‏ ‏{‏لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 60‏]‏ وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله‏:‏ «لَتُؤْمِنُنَّ»‏.‏

وقرأ نافعٌ وحْده‏:‏ «آتَيْنَاكُمْ»، بالنُّون، وقرأ الباقون‏:‏ «آتَيْتُكُمْ»؛ بالتاء، ورَسُول؛ في هذه الآية‏:‏ اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفَسرين هو نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ هذه الآية‏:‏ هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء- عليهم السلام- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، ‏{‏وَأَخَذْتُمْ‏}‏؛ في هذه الآية‏:‏ عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ‏:‏ ‏{‏أَخَذْتُمْ‏}‏؛ في هذه الآية‏:‏ معناه‏:‏ قَبِلْتُمْ، والإصْر‏:‏ العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاشهدوا‏}‏ يحتملُ معنَيَيْنِ‏:‏

أحدهما‏:‏ فاشهدوا على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة‏.‏

والمعنى الثاني‏:‏ بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نُبُوَّاتهم، هذا قَوْلُ الزَّجَّاج وغيره‏.‏

وقال * ع *‏:‏ فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره، وقرأ أبو عَمرٍو‏:‏ «يَبْغُونَ»؛ بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة، و«تَرْجِعُونَ» بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل‏.‏

و ‏{‏تَبْغُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تَطْلُبُونَ‏.‏

قال النوويِّ‏:‏ ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور؛ أنه قَالَ‏:‏ لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏}‏، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى‏.‏

وروِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن ابن مَسْعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ، فَلْيُنَاد‏:‏ يَا عِبَادَ اللَّهِ، واحبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا ‏"‏‏.‏ قال النَّوويُّ‏:‏ حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا؛ أَنَّهُ انفلتت لَهُ دَابَّةٌ أَظْنُّهَا بَغْلَةً، وَكَانَ يعرفُ هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ‏.‏ اه‏.‏

وَ ‏{‏أَسْلَمَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ استسلم، عند الجمهور‏.‏

واختلفوا في معنى قوله‏:‏ ‏{‏طَوْعاً وَكَرْهاً‏}‏، فقال مجاهد‏:‏ هذه الآيةُ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]‏ فالمعنى‏:‏ أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهاً، ونحوه لأبي العالية، وعبارته‏:‏ كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه؛ بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً

قال * ع *‏:‏ والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ دِينِ الله‏}‏‏:‏ توقيفٌ لمعاصرِي نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكُفَّار‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى والنبيون مِن رَّبِّهِم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المعنى قُلْ‏:‏ يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ وأمَّتُكَ‏:‏ ‏{‏ءَامَنَّا بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية وقد تقدَّم بيانها في «البقرة»، ثم حكم تعالى في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةَ؛ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء عليهم السلام، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين‏:‏ إن ‏{‏مَنْ يَبْتَغِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قُلْتُ‏:‏ وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها مَنْ سواه إلى يوم القيامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏86- 89‏]‏

‏{‏كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏86‏)‏ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏87‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏88‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏89‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيات‏:‏ قال ابنُ عَبَّاس‏:‏ نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله‏:‏ ‏{‏كَيْفَ يَهْدِي الله‏}‏ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِماً، ثم ارتد وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلَى قَوْمِهِ؛ أنْ سَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ‏؟‏ فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين تَابُواْ‏}‏، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ، قال مجاهدٌ‏:‏ وحَسُنَ إسْلاَمُهُ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ‏:‏ نَزلَتْ في اليَهُودِ والنصارى، شهدوا ببَعْثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا به، ورجَّحه الطبري‏.‏

وقال النقِّاش‏:‏ نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَيْفَ‏}‏‏:‏ سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ على جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنى أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن‏.‏

قال الفَخْر‏:‏ واستعظم تعالى كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث؛ لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود؛ وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبَحُ مِنْ زلَّة الجَاهل‏.‏ اه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 93‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ‏(‏90‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ‏(‏91‏)‏ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ‏(‏92‏)‏ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال أبو العَالِيَة رُفَيْعٌ‏:‏ الآيةُ في اليهودِ كَفَرْوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ازدادوا كُفْراً؛ بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلافِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك‏.‏

قال * ع *‏:‏ وعلى هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية‏:‏ المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ ازدادوا كُفْراً‏}‏، أي‏:‏ أتموا على كُفْرهم، وبلغوا المَوْت به‏.‏

قال * ع *‏:‏ فيدخُلُ في هذا القولِ‏:‏ اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه، ثم أخبر تعالى أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ؛ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره‏:‏ المعنى‏:‏ لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ‏:‏ المعنى‏:‏ لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كُفْرهم بمحمَّد صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال * ع *‏:‏ وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 86‏]‏، فأخبر عنهم أنَّه لا تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها؛ فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين؛ أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء‏:‏ ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوِ افتدى بِهِ‏}‏، قال الزَّجَّاج‏:‏ المعنى‏:‏ لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو افتدى أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال‏:‏ فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم على أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم‏:‏ الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنى نفْيَ القَبُول على كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي‏:‏ رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ؛ حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم‏.‏

قال * ص *‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏مِمَّا تُحِبُّونَ‏}‏‏:‏ «مِنْ»‏:‏ للتبعيضِ؛ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ‏:‏ «بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ» اه‏.‏

قال الغَزَّالِيُّ‏:‏ قال نافعٌ‏:‏ كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قَالَ‏:‏ سمعْتُ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏

‏"‏ أَيُّمَا امرئ اشتهى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ على نَفْسِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ‏"‏ اه من «الإِحياء»‏.‏

قال * ع *‏:‏ وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمى بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به‏.‏

قال الفَخْر‏:‏ والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ على طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ‏.‏ اه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ‏}‏ شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي‏:‏ عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِي إسراءيل‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية إخبارٌ بمَغِيَّب عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ‏:‏ معناه‏:‏ حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم؛ أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه على أنفسهم؛ أنه بأمر اللَّه تعالى في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالى بهذه الآية، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ‏}‏، أي‏:‏ فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي افتروها‏.‏

وقال الفَخْر‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة‏}‏، المعنى‏:‏ أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سوى ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له مُنْكِرُونَ‏.‏ اه‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه على نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل‏:‏ هو وَجَعُ عِرْقِ النَّسَا، وفي حديثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ‏:‏ يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ‏؟‏ فَقَالَ لَهُمْ‏:‏ أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه‏!‏ هَلْ تَعْلَمُونَ؛ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا‏؟‏ قَالُوا‏:‏ اللَّهُمَّ، نَعَمْ ‏"‏‏.‏ قال * ع *‏:‏ وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ عليه السلام حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها؛ تقرُّباً بذلك؛ إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ‏(‏رضي اللَّه عنه‏)‏؛ بقوله‏:‏ «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ؛ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ»؛ ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، فرأى مَحَاسِنَهَا، فقَالَ‏:‏ مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شَاءَ اللَّهِ‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال الزَّجَّاج‏.‏ وفي هذا تعجيزٌ لهم، وإقامةٌ للحجة علَيْهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 97‏]‏

‏{‏فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏94‏)‏ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏95‏)‏ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ‏(‏96‏)‏ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ‏(‏97‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب مِن بَعْدِ ذَلِكَ‏}‏، أي‏:‏ مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ صَدَقَ الله‏}‏، أي‏:‏ الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فاتبعوا ملَّته؛ على ما ذكر اللَّه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم عليه السلام وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وُضِعَ تجديداً‏؟‏ وقال الفَخْر‏:‏ يحتمل أولاً في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولاً في كونه مباركاً، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية‏.‏ اه‏.‏

قال ابن العربيِّ في «أحكامِهِ» وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكاً، قيل‏:‏ بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل‏:‏ ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل‏:‏ أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل‏:‏ عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ‏:‏ والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة؛ وذلك بجميعه موجودٌ فيه‏.‏ اه‏.‏

قال مالكٌ في سماعِ ابن القاسِمِ من «العتبية»‏:‏ بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ‏:‏ يريد القَرْيَةَ، قلتُ‏:‏ قال ابنُ رُشْدٍ في «البيان»‏:‏ أرى مالكاً أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه عزَّ وَجَلَّ؛ لأنه قال تعالى في بَكَّة‏:‏ ‏{‏إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً‏}‏، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مَكَّة»؛ ‏{‏وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 24‏]‏ وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ‏.‏ اه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فِيهِ‏}‏، أي‏:‏ في البيتِ ‏{‏ءايات بينات‏}‏،

قال * ع *‏:‏ والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالاً ممَّا في حَرَمِ اللَّه منَ الآياتِ وخُصَّا بالذكْرِ؛ لعظمهما، و‏{‏مَّقَامُ إبراهيم‏}‏‏:‏ هو الحَجَرُ المعروفُ؛ قاله الجمهور، وقال قوم‏:‏ البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ‏:‏ الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن دَخَلَهُ‏}‏ عائدٌ على البَيْت؛ في قول الجمهور، وعائدٌ على الحَرَمِ؛ في قول مَنْ قَالَ‏:‏ مقامُ إبراهيم هو الحَرَمُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَانَ ءامِناً‏}‏ قال الحَسَنُ وغيره‏:‏ هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ‏:‏ معنى الآية‏:‏ ومَنْ دخل البيتَ، كان آمناً من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال‏:‏ كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلاً، فقلْتُ‏:‏ يا رَبِّ، إنَّكَ قُلْتَ‏:‏ ‏{‏وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً‏}‏، فمماذا هو آمنٌ‏؟‏ فسمعتُ مكلِّماً يكلِّمني، وهو يقولُ‏:‏ مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»‏:‏ وقول بعضهم‏:‏ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمناً من النار لا يصحُّ حمله على عمومه، ولكنه ثَبَتَ؛ أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجَنَّة‏.‏

قال ذلك كلَّه رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت‏}‏ الآية‏:‏ هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه؛ بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ‏:‏ «حَجُّ الَبْيتِ»؛ بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها، فَبِكَسْر الحاء‏:‏ يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ‏:‏ هما لُغَتَانِ الكَسْر‏:‏ لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً‏}‏ «مَنْ»‏:‏ في موضعِ خَفْضٍ بدلٍ من «النَّاس»، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره‏:‏ هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والجوابُ محذوفٌ، تقديره‏:‏ فَعَلَيْهِ الحِجُّ؛ ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ كَفَرَ‏}‏، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال‏:‏ ‏"‏ مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ‏"‏، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً‏}‏ كلامٌ عامٌّ لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غَيْرَ شاقٍّ على نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال‏:‏ لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى‏.‏ هذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين‏}‏، قال ابن عبَّاس وغيره‏:‏ المعنى‏:‏ مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏:‏ مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ، فَقَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ تَرَكَهُ، لاَ يَخَافُ عُقُوبَتَهُ، ومَنْ حَجَّهُ لاَ يَرْجُو ثَوَابَهُ، فَهُوَ ذَلِكَ ‏"‏، وقال بمعنى هذا الحديثِ ابْنُ عبَّاس وغيره، وقال السُّدِّيُّ وجماعة مِنْ أهْل العلْم‏.‏ معْنَى الآيةِ‏:‏ مَنْ كَفَر بأنْ وَجَد ما يَحُجُّ به، ثم لَمْ يَحُجَّ، قال السُّدِّيُّ‏:‏ مَنْ كان بهذه الحالِ، فهو كافرٌ، يعني‏:‏ كُفْرَ مَعْصية، ولا شكَّ أنَّ مَنْ أنعم اللَّه علَيْه بمالٍ وصحَّة، ولم يَحُجَّ، فقد كَفَر النِّعْمَةَ، وقال ابنُ عُمَر وجماعةٌ‏:‏ معنى الآيةِ‏:‏ ومن كَفَر باللَّه واليومِ الآخِرِ، قال الفَخْر‏:‏ والأكثرون هم الذين حَمَلُوا الوعيدَ على مَنْ ترك اعتقادَ وُجُوبَ الحجِّ، وقال الضَّحَّاك‏:‏ لما نَزلَتْ آية الحَجِّ، فأعْلَمِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذَلِكَ أَهْلَ المِلَلِ، وقَالَ‏:‏ ‏"‏ إنَّ اللَّه تعالى كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ، فحُجُّوا ‏"‏، فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ وَكَفَرَ غَيْرُهُم فَنَزَلَتِ الآيةُ، قَالَ الفَخْرُ وهذا هو الأقوى، واللَّه أعلم‏.‏ اه‏.‏

ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غَنِيٌّ عَنِ العالمين‏}‏‏:‏ الوعيدُ لِمَنْ كفر، والقَصْدُ بالكلامِ‏:‏ فَإنَّ اللَّه غنيٌّ عنهم، ولكن عمَّم اللفظ؛ ليَبْرَعَ المعنى، وتنتبه الفِكَرُ لقدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، واستغنائه عن جميعِ خَلْقِهِ لا ربَّ سواه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 101‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ‏(‏98‏)‏ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏99‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ‏(‏100‏)‏ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏101‏)‏‏}‏

وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏ هذه الآياتُ‏:‏ توبيخٌ لليهود المعاصرِينَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والكتابُ‏:‏ التوراةُ، وآياتُ اللَّه يحتملُ أنْ يريدَ بها القُرآن، ويحتملُ العلاماتِ الظاهرةَ على يَدَيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ‏}‏ وعيدٌ محضٌ، قال الطبريُّ‏:‏ هاتان الآيتانِ‏:‏ ‏{‏قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله‏}‏، وما بعدهما إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 105‏]‏، نزلَتْ بسبب رَجْلٍ من اليهودِ، حاول الإغراء بَيْن الأوس والخَزْرَج، قال ابنُ إسْحَاق‏:‏ حدَّثني الثِّقَةُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم، قال‏:‏ مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وكان شَيْخاً قَدْ عَسَا فِي الجَاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْر، شَدِيدَ الضِّغْن على المُسْلمين، والحَسَدِ لهم؛ على نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وَهُمْ في مَجْلِسٍ يتحدَّثُونَ، فغَاظَهُ مَا رآه مِنْ جماعَتِهِمْ وصَلاَحِ بَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا كَانَ بينَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ، فَقَالَ‏:‏ قَدِ اجتمع مَلأ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلاَدِ، واللَّهِ، مَا لَنَا مَعَهُمْ، إذَا اجتمع مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَر فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ‏:‏ اعمد إلَيْهِمْ، واجلس مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَيَّامِ حَرْبِهِمْ، وَأَنْشِدْهُمْ مَا قَالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَفَاخَرُوا، وَتَنَازَعُوا حتى تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْر مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلاَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ‏:‏ إنْ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ، رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقَانِ، وَقَالُوا‏:‏ قَدْ فَعَلْنَا، السِّلاَحَ السِّلاَح‏!‏ مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، يُرِيدُونَ‏:‏ الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إلَيْهَا وَتَجَاوَزَ النَّاسُ على دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَ‏:‏ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللَّه اللَّه، أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، وَوَعَظَهُمْ، فَعَرَفَ القَوْمُ؛ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقُوا السِّلاَحَ، وَبَكَوْا، وَعَانَقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وانصرفوا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قيسٍ، وما صَنَعَ هذه الآيات‏.‏

وقال الحَسَنُ وغيره‏:‏ نزلَتْ في أحْبَار اليَهُود الَّذِينَ يَصُدُّون المُسْلِمِينَ عَنِ الإسلام، ويَقُولُون‏:‏ إن محمَّداً ليس بالموصُوفِ في كتابنا،

قال * ع *‏:‏ ولا شَكَّ في وقوعِ هَذيْن الشيئَيْن، وما شاكَلَهما مِنْ أفعال اليهودِ وأقوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جميعِ ذلك، ومعنى «تَبْغُونَ» أي‏:‏ تطلبون لها الاعوجاجَ والانفسادَ، وأنْتُمْ شُهَدَاءُ‏:‏ يريدُ جَمْعَ شاهِدٍ على ما في التوراةِ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وصِدْقِهِ، وباقِي الآية وعيدٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، والإشارة بذلك وقْتَ نزوله إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بسبب نَائِرَةِ شَاسِ بْنِ قَيْسٍ‏.‏

قال * ص *‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين‏}‏، ردَّ‏:‏ بمعنى صَيَّر، فيتعدى إلى مفعولَيْنِ الأول‏:‏ الكافُ، والثاني‏:‏ الكافِرِينَ؛ كقوله‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً *** وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ الْبِيضَ سُودَا

و ‏{‏يَعْتَصِم‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يتمسَّك، وعُصِمَ الشَّيءُ، إذا مُنِعَ وحُمِيَ؛ ومنه‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏يَعْصِمُنِي مِنَ الماء‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 43‏]‏ وباقي الآية بيِّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏102- 104‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏102‏)‏ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏103‏)‏ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏104‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ‏}‏، قال ابن مسعود‏:‏ «حَقَّ تُقَاتِهِ»‏:‏ هو أنْ يُطَاع فلا يعصى، وأنْ يُذْكَر فلا ينسى، وأنْ يُشْكَر فلا يُكْفَر، وكذلك عَبَّر الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم، وقتادةُ، والحَسَنُ، قالتْ فرقة‏:‏ نزلَتِ الآيةُ على عمومِ لفظها؛ مِنْ لزومِ غاية التقوى؛ حتى لا يقع الإخْلاَلُ في شَيْء من الأشياءِ، ثم نُسِخَ ذلك؛ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتقوا الله مَا استطعتم‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 16‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{‏لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏ وقالت جماعة‏:‏ لاَ نَسْخَ هنا، وإنَّما المعنى‏:‏ اتقوا اللَّهَ حَقَّ تقاته فِي ما استطعتم، وهذا هو الصحيحُ، وخرَّج الترمذيُّ، عن ابن عَبَّاس؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، وهي‏:‏ ‏{‏اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏، قال‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي الدُّنْيَا، لأفْسَدَتْ على أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ‏؟‏ ‏"‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه ابنُ ماجة أيضاً اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ دُومُوا على الإسلام؛ حتى يوافيكم المَوْتُ، وأنتم علَيْه، والحَبْلُ في هذه الآيةِ مستعارٌ، قال ابنُ مسعودٍ‏:‏ حبْلُ اللَّهِ الجماعةُ، وروى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ‏:‏ ‏"‏ إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ افترقوا على إحدى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثنين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلاَّ وَاحِدَةٌ، فَقِيلَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هَذِهِ الوَاحِدَةُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ فَقَبَضَ يَدَهُ، وَقَالَ‏:‏ الجَمَاعَةُ، وقرأ‏:‏ ‏{‏واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً‏}‏ ‏"‏، وقال قتادةُ وغيره‏:‏ حبْلُ اللَّهِ الَّذي أمر بالاعتصام به‏:‏ هو القُرآن، ورواه أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقال ابنُ زَيْدٍ‏:‏ هو الإسلام، وقيل غير هذا ممَّا هو كلُّه قريبٌ بعضُهُ مِنْ بعض‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَفَرَّقُواْ‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ التفرُّقَ الَّذي لا يتأتى معه الائُتلافُ، كالتفرُّقِ بالفتن، والافتراقِ في العقائد، وأما الافتراقُ في مسائل الفروعِ والفِقْه، فلَيْسَ بداخلٍ في هذه الآيةِ، بل ذلك هو الذي قَالَ فيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ خَلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةً ‏"‏، وقد اختلفتِ الصَّحابةُ في الفُرُوع أشَدَّ اختلافٍ، وهم يَدٌ واحدةٌ على كُلِّ كافرٍ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الخطاب إنما هو للأوس والخَزْرَج؛ كما تقدَّم، وكانَتِ العداوةُ قد دامَتْ بين الحَيَّيْنِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً؛ حتى رفَعَها اللَّه بالإسلام، فجاء النَّفَر الستَّةُ من الأنْصَارِ إلى مكَّة حُجَّاجاً، فعرض النبيُّ صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ علَيْهم، وتَلاَ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنَ القُرآنِ؛ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبَائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، فَقَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قَدِمْتَ بَلَدَنَا على مَا بَيْنَنَا مِنَ العَدَاوَةِ وَالحَرْبِ، خِفْنَا أَلاَّ يَتِمَّ مَا نُرِيدُهُ بِكَ، وَلَكِنْ نَمْضِي نَحُنُ، وَنُشِيعُ أَمْرَكَ، وَنُدَاخِلُ النَّاسَ، وَمَوْعِدُنَا وَإيَّاكَ العَامُ القَابِلُ، فَمَضَوْا، وَفَعَلُوا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ فِي العَامِ القَابِلِ، فَكَانَتِ العَقَبَةُ الثَّانِيَةُ، وَكَانُوا اثني عَشَرَ رَجُلاً فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الأَوَّلِينَ، ثُمَّ جَاءُوا مِنَ العَامِ الثَّالِثِ، فَكَانَتْ بَيْعَةُ العَقَبة الكبرى، حَضَرَهَا سَبْعُونَ، وَفِيهِمُ اثنا عَشَرَ نَقِيباً‏.‏

ووصْفُ القصَّة مستوعبٌ في السِّيرِ، ويسَّر اللَّه تعالى الأنصار للإسلام بوجْهَيْن‏:‏

أحدهما‏:‏ أنَّ بني إسرائيل كانُوا مجاوِرِينَ لهم، وكانوا يقولُونَ لِمَنْ يتوعَّدونه من العَرَبِ‏:‏ يُبْعَثُ لَنَا الآنَ نَبِيٌّ نَقْتُلُكُمْ معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمَ، فلمَّا رأَى النَّفَر من الأنْصَارِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال بعضُهم لبعضٍ‏:‏ هذا، واللَّهِ، النَّبيُّ الَّذِي تَذْكُرُه بَنُو إسرائيل، فلا تُسْبَقَنَّ إلَيْهِ‏.‏

والوجْهُ الآخرُ‏:‏ الحَرْبُ الَّتي كَانَتْ ضرَّسَتْهم، وأفْنَتْ سراتهم، فَرَجوْا أنْ يجمع اللَّه به كلمتهم، فكان الأمر كما رَجَوْا، فعدَّد اللَّه سبحانَهُ علَيْهم نعمَتَهُ في تأليفهم بعد العَدَاوة، وذَكَّرهم بها قال الفَخْر‏:‏ كانَتِ الأنصارُ قَبْلَ الإسلام أعداءً، فلما أكرمهم اللَّه ‏[‏سبحانه‏]‏ بالإسلام، صاروا إخواناً في اللَّه متراحِمِينَ‏.‏

واعلم أنَّ كلَّ مَنْ كان وجهه إلى الدنيا، كان معادياً لأكثر الخَلْق، ومَنْ كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه، لَمْ يكُنْ معادِياً لأحدٍ؛ لأنه يَرَى الكُلَّ أسيراً في قبضة القَضَاء والقَدَر، ولهذا قيل‏:‏ إن العارف، إذا أَمَرَ، أَمَرَ برفْقٍ، ونَصَحَ لاَ بِعُنْفٍ وعُسْر، وكيف، وهو مُسْتَبْصِرٌ باللَّه في القَدَر‏.‏ اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَصْبَحْتُم‏}‏ عبارةٌ عن الاستمرار‏.‏

قال * ص *‏:‏ «أصْبَحَ»‏:‏ يستعملُ لاتصافِ الموصوفِ بصفَتِهِ وقْتَ الصَّباحِ، وبمعنى «صَارَ»، فلا يلحظ فيها وقْت الصباح، بل مطْلَق الانتقال والصيرورةِ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، وأَصْبَحَ‏:‏ هنا بمعنى صَارَ، وما ذكره ابنُ عطية مِنْ أنَّ «أَصْبَحَ» لِلاستمرارِ، لم يذهَبْ إليه أحَدٌ من النَّحْوِيِّين‏.‏ اه‏.‏

قلْتُ‏:‏ وفيما ادَّعاه نَظَرٌ، وهي شهادةٌ على نَفْيٍ وكلامٍ‏.‏

* ع *‏:‏ واضحٍ من جهة المعنى، والشَّفَا‏:‏ حَرْفُ كلِّ جِرْمٍ له مهوى؛ كالحفرة، والبِئْر، والجُرُفِ، والسَّقْفِ، والجِدَار، ونحوه، ويضافُ في الاستعمالِ إلى الأعلى؛ كقوله‏:‏ ‏{‏شَفَا جُرُفٍ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 109‏]‏، وإلى الأسفلِ؛ كقوله‏:‏ ‏{‏شَفَا حُفْرَةٍ‏}‏ فشبَّه اللَّه كفرهم الذي كانوا عليه بالشَّفَا، لأنهم كانوا يَسْقُطُون في جهنَّم دَأَباً، فأنقدهم اللَّه منها بالإسلام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا‏}‏، أي‏:‏ مِنَ النَّار، ويحتمل من الحُفْرة، والأول أحسنُ، قال العِرَاقِيُّ‏:‏ أَنْقَدَكُمْ، أي‏:‏ خلَّصكم‏.‏ اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير‏}‏‏:‏ أَمْرَ اللَّه سبحانه الأمَّةَ؛ بأنْ يكونَ منْها علماءُ يَفْعَلُونَ هذه الأفعالَ على وجوهها، ويحْفَظُونَ قوانينَها، ويكون سائِرُ الأمَّة مُتَّبِعِينَ لأولئك، إذ هذه الأفعالُ لا تكُونُ إلاَّ بعلْمٍ واسعٍ، وقد عَلِمَ اللَّه سبحانه؛ أنَّ الكُلَّ لا يكُونونَ علماء، ف «مِنْ» هنا‏:‏ للتبعيضِ، وهو تأويلُ الطبريِّ وغيره‏.‏

وذهب الزَّجَّاج وغيرُ واحدٍ؛ إلى أنَّ المعنى‏:‏ ولتكونوا كلُّكم أمةً يدْعُونَ، و«مِنْ»‏:‏ لبيانِ الجنْس، ومعنى الآية على هذا‏:‏ أمر الأمة بأنْ يَدْعُوا جميعَ العَالَمِ إلى الخَيْر، فيَدْعُون الكُفَّار إلى الإسلامِ، والعُصَاةَ إلى الطاعةِ، ويكونُ كلُّ واحدٍ في هذه الأمور على منزلته من العلْمِ والقدرةِ، وروى الليثُ بْنُ سَعْدٍ، قال‏:‏ حدَّثني محمَّدُ بْنُ عَجْلاَن، أنَّ وَافِداً النَّضْرِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ لَيُؤْتَيَنَّ بِرِجَالٍ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ؛ لِمَنَازِلِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ يَكُونُونَ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، قَالُوا‏:‏ وَمَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ هُمُ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، وَيُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ، وَيَمْشُونَ فِي الأَرْضِ نُصْحاً، قُلْنَا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ‏؟‏‏!‏ قَالَ‏:‏ يَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا أَطَاعُوهُمْ، أَحَبَّهُمُ اللَّهُ تعالى ‏"‏ اه من «التذكرة» للقرطبيِّ‏.‏

قال * ع *‏:‏ قال أهْلُ العلْمِ‏:‏ وفَرَضَ اللَّه سبحانه بهذه الآية الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عن المُنْكَر، وهو مِنْ فروضِ الكفاية، إذا قام به قائمٌ، سقَطَ عن الغَيْر، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَان ‏"‏ والناسُ في الأمر بالمعروفِ وتغْييرِ المُنْكَرِ على مراتِبَ، فَفَرْضُ العلماءِ فيه تنبيهُ الولاةِ، وحَمْلُهُمْ على جَادَّة العلْمِ، وفرضُ الولاةِ تَغْييره بقوَّتهم وسلطانِهِمْ، ولهم هي اليَدُ، وفَرْضُ سائر الناسِ رَفْعُهُ إلى الولاةِ والحُكَّام بعد النَّهْيِ عنه قولاً، وهذا في المُنْكَرِ الذي له دَوَامٌ، وأما إنْ رأى أحَدٌ نازلةٌ بديهيَّةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَّلْبِ والزِّنَا ونحوه، فيغيِّرها بنَفْسِهِ، بحَسَب الحالِ والقدرةِ، ويَحْسُنُ لكلِّ مؤمن أنْ يعتمل في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وإنْ ناله بَعْضُ الأذى؛ ويؤيِّد هذا المَنْزَعَ أنَّ في قراءة عثمانَ وابْنِ مسْعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ‏:‏ «يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيَسْتَعِينونَ اللَّهَ على مَا أَصَابَهُمْ»، فهذا وإنْ لم يثبتْ في المُصْحَفِ، ففيه إشارةٌ إلى التعرُّض لما يصيبِ عَقِيبَ الأمْر والنهْيِ؛ كما هو في قوله‏:‏ ‏{‏وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر واصبر على مَا أَصَابَكَ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 17‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏105- 109‏]‏

‏{‏وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏105‏)‏ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏106‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏107‏)‏ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ‏(‏108‏)‏ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏109‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن عبَّاس‏:‏ هي إشارة إلى كلِّ مَنِ افترق من الأمَمِ في الدِّين، فأهلكهم الافتراقُ، وقال الحسنُ‏:‏ هي إشارة إلى اليهودِ والنصارى‏.‏

قلتُ‏:‏ وروى أبو داوُدَ في سُنَنِهِ، عن معاويةَ بْنِ أبي سُفْيَان، قال‏:‏ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ افترقوا على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ على ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ ‏"‏، وروى أبو هريرة نحوه، ولم يَذْكُرِ النَّار اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ‏}‏ الآية‏:‏ بياضُ الوُجُوهِ‏:‏ عبارةٌ عن إشراقِها واستنارتها وبِشْرِها برحمة اللَّهِ؛ قاله الزَّجَّاج وغيره‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَكْفَرْتُمْ‏}‏‏:‏ تقريرٌ وتوبيخٌ متعلِّق بمحذوف، تقديره‏:‏ فيقالُ لهم‏:‏ أكفرتم، وفي هذا المَحْذُوفِ جوابُ «أمَّا»، وهذا هو فحوَى الخطَابِ، وهو أنْ يكون في الكلام شيْءٌ مقدَّر لا يستغنِي المعنى عنه؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 184‏]‏ المعنى‏:‏ فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَعْدَ إيمانكم‏}‏ يقتضي أنَّ لهؤلاء المذكورين إيماناً متقدِّماً، واختلف أهل التأويل في تَعْيِينِهِمْ، فقال أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ‏:‏ هم جميعُ الكُفَّارِ، وإيمانهم هو إقرارهم يَوْمَ قِيلَ لهم‏:‏ ‏{‏أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏ وقال أكثر المتأوِّلين‏:‏ المراد أهل القبْلَة مِنْ هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسَنُ‏:‏ الآية في المنافقين، وقال قتادة‏:‏ هي في أهْل الرَّدة، وقال أبو أُمَامة‏:‏ هي في الخَوَارج‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق‏}‏ الإشارة ب «تِلْكَ» إلى هذه الآياتِ المتضمِّنة تعذيبَ الكُفَّار، وتَنْعِيمَ المؤمنين، ولَمَّا كان في هذا ذكْرُ التعذيبِ، أخبر سبحانه؛ أنه لا يريدُ أنْ يقع منه ظُلْمٌ لأحدٍ من العبادِ، وإذا لم يردْ ذلك، فلا يوجد ألبتة؛ لأنه لا يَقَعُ من شيء إلاَّ ما يريده سُبْحانه، وقوله‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏‏:‏ معناه بالإخبار الحَقِّ، ويحتمل أنْ يكون المعنى‏:‏ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ مضمَّنة الأفعال التي هِيَ حَقٌّ في نفسها من كرامةِ قومٍ، وتعذيبِ آخرينَ، ولما كان للذِّهْنِ أنْ يقف هنا في الوَجْه الذي به خَصَّ اللَّه قومًا بعملٍ يرحمهم مِنْ أجله، وآخرين بعملٍ يعذِّبهم عليه، ذكر سبحانه الحُجَّة القاطعة في مِلْكِهِ جميعَ المخلوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ أَلاَّ يعترض علَيْه؛ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏110- 112‏]‏

‏{‏كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏110‏)‏ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏111‏)‏ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اختلفَ في تأويل هذه الآية‏.‏

فقيل‏:‏ نزلَتْ في الصحابة، وقال الحسَنُ بْنُ أبي الحَسَن وجماعةٌ مِنْ أَهْل العلْمِ‏:‏ الآيةُ خطَابٌ لجميع الأمة؛ بأنهم خير أمة أخرجَتْ للنَّاس؛ ويؤيِّد هذا التأويلَ كونُهم شهداءَ عَلَى النَّاس‏.‏ وأمَّا قوله‏:‏ «كُنْتُمْ»؛ على صيغة المُضِيِّ؛ فإنها التي بمعنَى الدَّوامِ؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 73‏]‏ وقال قوم‏:‏ المعنى‏:‏ كنتم فِي عِلْمِ اللَّه، وهذه الخَيْريَّة التي خَصَّ اللَّه بها هذه الأمَّة، إنما يأخذ بحَظِّه منها مَنْ عمل بهذه الشُّروط مِنَ الأمر بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المنكر، والإيمانِ باللَّه؛ ممَّا جاء في فَضْل هذه الأمَّة ما خرَّجه مُسْلِمٌ في صحيحه، عن أبي هريرة، قال‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامةِ ‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة ‏"‏، وفي رواية‏:‏ ‏"‏ نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، والأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ ‏"‏، وفي رواية‏:‏ ‏"‏ المَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ ‏"‏ اه‏.‏

وخرَّج ابن مَاجَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ نَحْنُ آخرُ الأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبَ، يُقَالُ‏:‏ أَيْنَ الأَمَّةُ الأَمِّيَّةُ، فَنَحْنُ الآخرُونَ الأَوَّلُونَ ‏"‏، وفي روايةٍ عن ابن عَبَّاس‏:‏ ‏"‏ فتُفَرِّجُ لَنَا الأَمَمُ عَنْ طَرِيقَنَا، فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ، فَتَقُولُ الأُمَمُ‏:‏ كَادَتْ هَذِهِ الأَمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا ‏"‏، وخَرَّجهُ أيضاً أبو داود الطَّيَالِسِيُّ في مسنده بمعناه‏.‏ اه من «التذكرة»‏.‏

وروى أبو داود في سننه، قال‏:‏ حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبة، عن أبيه، عن أبي موسى، قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ؛ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا؛ الفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالقَتْل ‏"‏ اه، وقد ذكرنا هذا الحديثَ أيضاً عن غَيْر أبي داود، وهذا الحديثُ ليس هو على عمومه في جميعِ الأمَّة؛ لثبوت نُفُوذِ الوعيدِ في طائفةٍ من العُصَاة‏.‏ اه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تَأْمُرُونَ بالمعروف‏}‏، وما بعده‏:‏ أحوالٌ في موضعِ نصبٍ‏.‏

وفي الحديثِ‏:‏ ‏"‏ خَيْرُ النَّاسِ أتُقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ ‏"‏، رواه البغويُّ في «منتخبه»‏.‏ اه من «الكوكب الدري»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مّنْهُمُ المؤمنون‏}‏‏:‏ تنبيهٌ على حال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وأخيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وغيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى‏}‏، أي‏:‏ إلا أَذًى بالألسنة فَقَطْ، وأخبر سبحانه في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار‏}‏، بخبر غَيْب، صحَّحه الوجودُ، فهي مِنْ آيات نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وفائدةُ الخَبَرِ هي في قولِهِ‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ‏}‏، أي‏:‏ لا تكونُ حَرْبُ اليهودِ معكم سِجَالاً، وخص الأدبار بالذِّكْر دون الظَّهْرِ، تَخْسِيساً للفَارِّ، وهكذا هو حيثُ تصرَّفَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ضُرِبَتْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ أُثْبِتَتْ بشدَّةٍ وإلزامٍ، وهذا وصْفُ حالٍ تقرَّرت على اليهودِ في أقطار الأرْضِ قبل مَجِيء الإسلام، وثُقِفُوا‏:‏ معناه أُخِذُوا بحالِ المذْنِبِ المستحِقِّ الإهلاك، وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله‏}‏ في الكلامِ محذوفٌ يدركُهُ فهُمْ السامعِ، تقديره‏:‏ فلا نجاة لهم مِنَ القَتْلِ أو الاستئصال إلاَّ بحَبْلٍ، وهو العَهْدُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إشارةٌ إلى الغَضَب، وضَرْب الذلَّة والمَسْكَنَة، وباقي الآية تقدَّم تفسير نظيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 114‏]‏

‏{‏لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ‏(‏113‏)‏ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏114‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسُواْ سَوَاءً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابنُ عَبَّاس ‏(‏رضي اللَّه عنهما‏)‏‏:‏ لمَّا أسلم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَنْ أَسْلَمَ من اليهود معهم، قال الكُفَّار من أحْبَارِ اليهودِ‏:‏ مَا آمن بمحمَّد إلاَّ شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا خِيَاراً، ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ‏:‏ ‏{‏لَيْسُواْ سَوَاء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وقالَ مثلَهُ قتادةُ،‏.‏ وابنُ جُرَيْجٍ، وهو أصح التأويلات في الآية‏.‏

واختلفَ في قوله‏:‏ ‏{‏قَائِمَةً‏}‏، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره‏:‏ معناه‏:‏ قائمةٌ على كتابِ اللَّهِ، وحُدُودِهِ مهتديةٌ، وقال السُّدِّيُّ‏:‏ القائمةُ‏:‏ القانِتَةُ المُطيعةُ، وهذا كلُّه يرجع إلى معنى وَاحِدٍ، ويحتمل أنْ يراد ب ‏{‏قَائِمَةً‏}‏‏:‏ وَصْفُ حال التالين في آناء الليلِ، ومَنْ كانت حاله هذه، فلا محالة؛ أنه معتدلٌ عَلَى أمْر اللَّه، و‏{‏آيَاتِ الله‏}‏؛ في هذه الآيةِ‏:‏ هي كُتُبُهُ، والآناءُ‏:‏ السَّاعاتُ، واحِدها إنْيٌ؛ بكسر الهمزة، وسكونِ النون، وحكم هذه الآية لا يتَّفقُ في شَخْص شَخْصٍ؛ بأنْ يكون كلُّ واحدٍ يصلِّي جميعَ ساعاتِ الليلِ، وإنما يقوم هذا الحُكْمُ من جماعةِ الأمَّة؛ إذ بعضُ الناسِ يَقُومُ أول الليلِ، وبعضهم آخِرَهُ، وبعضُهُم بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثم يعودُ إلى نَوْمِهِ، فيأتي مِنْ مجموعِ ذلك في المُدُنِ والجَمَاعَاتِ عِمَارةُ آناء الليلِ بالقيامِ، وهكذا كان صَدْرُ هذه الأمَّة، وعُرْفُ النَّاسِ القيامُ في أول الثُّلُثِ الآخرِ مِنَ الليلِ، أو قبله بشَيْء، وحينئذٍ‏:‏ كان يقوم الأكثر، والقيام طولَ الليلِ قليلٌ، وقد كان في الصالِحِينَ مَنْ يلتزمه، وقد ذكر اللَّه سبحانه القَصْدَ من ذَلِكَ في «سُورة المُزَّمِّلِ»، وقِيامُ الليلِ لقراءةِ العِلْمِ المبتغى به وجْهُ اللَّهِ داخلٌ في هذه الآيةِ، وهو أفضلُ من التنفُّل لِمَنْ يُرْجَى انتفاعُ المسلمِينَ بعلْمه، قُلْتُ‏:‏ وقد تقدَّم في أوَّل السُّورة‏:‏ ما جاء من التأويل في حديثِ النُّزُولِ، فلنذكُرِ الآن الحديثَ بكَمَالِهِ، لما فيه من الفوائِدِ‏:‏

روى أبو هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ يَنْزِلُ رَبَّنَا تَبَارَكَ وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ‏:‏ مَنْ يَدْعُونِي؛ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي؛ فَأُعْطِيهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي؛ فَأَغْفِرَ لَهُ ‏"‏ رواه الجماعةُ، أعني‏:‏ الكتبَ الستَّة؛ البخاريَّ، ومُسْلِماً، وأبا داوُدَ، والتِّرمذيَّ، والنَّسائيَّ، وابْنَ مَاجَة، وفي بعضِ الطُّرُق‏:‏ «حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ»، زاد ابْنُ ماجَة‏:‏ «فَلِذَلِكَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاَةَ آخِرَ اللَّيْلِ على أَوَّلِهِ»‏.‏

وعن عمرو بْنِ عَبَسَة أَنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فإنِ استطعت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ ‏"‏ رواه أبو داوُد، والتِّرمذيُّ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِمُ في «المستدرك»، واللفظ للتِّرمذيِّ، وقال‏:‏ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الحاكمُ‏:‏ صحيحٌ على شرطِ مُسْلِمٍ‏.‏

اه من «السلاح»‏.‏

وعن أبي أُمَامَةَ، قُلْتُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏"‏ جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ، ودُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ ‏"‏، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ، وقال الترمذيُّ‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ، وفي روايةٍ‏:‏ ‏"‏ جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ أرجى ‏"‏، أو نحو هذا‏.‏ اه من «السلاح»‏.‏

ومما يدْخُلُ في ضِمْنِ قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ويسارعون فِي الخيرات‏}‏؛ أن يكون المرءُ مغْتَنِماً للخَمْس؛ كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اغتنم خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ‏:‏ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ‏"‏؛ فَيَكُونُ متى أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ خَيْراً، بادر إليه، ولم يسوِّف نفسه بالأمل، فهذه أيضاً مسارعةٌ في الخيرات، وذكر بعض النَّاس قال‏:‏ دخلْتُ معَ بَعْضِ الصَّالحين في مَرْكَبٍ، فقُلْتُ له‏:‏ ما تقُولُ ‏(‏أصْلَحَكَ اللَّه‏)‏ في الصَّوْمِ في السَّفر‏؟‏ فقال لي‏:‏ إنها المبادرةُ، يا ابْنَ الأخِ، قال المحدِّث‏:‏ فجاءني، واللَّهِ، بجوابٍ ليس من أجوبة الفُقَهَاء‏.‏

قال * ص *‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏مّنَ الصالحين‏}‏‏:‏ «مِنْ»‏:‏ للتبعيض، ابنُ عطية‏:‏ ويحسُنُ أيضاً أنْ تكون لبيانِ الجنْس، وتعقِّب بأنه لم يتقدَّم شيء فيه إبهام، فيبين جنْسه‏.‏ اه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏115- 116‏]‏

‏{‏وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ‏(‏115‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏116‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ‏}‏، أي‏:‏ فلَنْ يعطى دونكم، فلا تثابُونَ عليه، وفي قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والله عَلِيمٌ بالمتقين‏}‏‏:‏ وعدٌ ووعيدٌ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏117‏]‏

‏{‏مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏117‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وقع في الآية التشبيهُ بين شيئَيْن وشَيْئَيْن، وتَرَكَ مِنْ كلٍّ منهما ما دلَّ عليه الكلام، وهذه غايةُ الإيجازِ والبلاغةِ، وجمهورُ المفسِّرين على أن ‏{‏يُنفِقُونَ‏}‏ يراد به الأموال التي كانُوا ينفقُونَها في التحنُّث، أي‏:‏ يبطلها كفْرهم؛ كما تبطل الريح الزرْعَ، والصِّرُّ‏:‏ البَرْدُ الشديدُ المُحْرِقُ لكلِّ ما يهُبُّ عليه، والحَرْثُ‏:‏ شامل للزرعِ والثمارِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ مِنْ أَهْلِ العِلْم من يرى أنَّ كل مصائبِ الدنيا، فإنما هي بمعاصِي العبيدِ، وينتزع ذلك مِنْ غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله؛ أنَّ كلَّ حرثٍ تحرقُهُ ريحٌ، فإنما هو لِمَنْ قد ظلم نفْسَه، والضميرُ في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا ظَلَمَهُمُ الله‏}‏ للكفَّار الذين تقدَّم ضميرهم في ‏{‏يُنفِقُونَ‏}‏، وليس هو للقومِ ذوي الحَرْث‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏118- 119‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏118‏)‏ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏119‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً‏}‏، أي‏:‏ لا تتَّخذوا من الكفَّارِ، واليهودِ، والمنافقينَ أخلاَّء تأنَسُونَ بهم في الباطنِ، وتفاوضونهم في الآراء‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مّن دُونِكُمْ‏}‏، يعني‏:‏ مِنْ دُونِ المؤمنين‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ لا يقصِّرون لكم فيما فيه فسادٌ عليكم، تقُول‏:‏ ما أَلَوْتُ فِي كَذَا، أيْ‏:‏ ما قصَّرت، بل اجتهدت، والخبالُ‏:‏ الفسادُ، قال ابن عبَّاس‏:‏ كان رجالٌ من المؤمنين يواصِلُون رجالاً من اليهودِ للْحِلْفِ والجِوَارِ الذي كان بَيْنهم في الجاهليَّة، فنزلَتِ الآية في ذلك، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً، وقتادة، والرَّبِيع، والسُّدِّيُّ‏:‏ نزلَتْ في المنافقين،

قال * ع *‏:‏ ويدخُلُ في هذه الآية استكتاب أهل الذِّمَّة، وتصريفُهم في البَيْع والشِّراء، ونَحْو ذلك، و«ما» في قوله‏:‏ ‏{‏مَا عَنِتُّمْ‏}‏‏:‏ مصدريةٌ، فالمعنى‏:‏ وَدُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ‏:‏ المشقَّة والمكروه يلقاه المرءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ، أي‏:‏ شاقَّة،

قال * ص *‏:‏ قال الزجَّاج‏:‏ عَنَتَكُمْ، أي‏:‏ مشقَّتَكُم، وقال ابنُ جَرِيرٍ‏:‏ ضلاَلَكُمْ، وقال الزُّبَيْدِيُّ‏:‏ العَنَتُ‏:‏ الهلاك‏.‏ اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم‏}‏، أي‏:‏ فهم فوق المستَتِر الَّذي تبدو البغضاءُ في عينيه، وخصَّ سبحانه الأفواه بالذكْرِ دون الألسنة إشارةً إلى تشدُّقهم وثَرْثَرَتِهِمْ في أقوالهم هذه، ثمَّ قال سبحانه للمؤمنين‏:‏ ‏{‏قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏؛ تحْذيراً وتنبيهاً، وقد عَلِمَ سبحانه؛ أنهم عقلاء، ولكن هذا هَزٌّ للنفوس، كما تقول‏:‏ إنْ كُنْتَ رَجُلاً، فافعل كذا وكذا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏هاأنتم * أُوْلآءِ تُحِبُّونَهُمْ‏}‏‏:‏ الضمير في «تُحِبُّونهم» للذين تقدَّم ذكْرُهم في قوله‏:‏ ‏{‏بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ‏}‏، قال‏:‏ * ص *‏:‏ ‏{‏وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ‏}‏، قال أبو البقاء‏:‏ الكِتَاب، هنا‏:‏ جنس، أيْ‏:‏ بالكتب كلِّها‏.‏ اه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ‏}‏‏:‏ عبارةٌ عن شدَّة الغيظِ، مع عدم القُدْرة على إنفاذه؛ ومنه قولُ أبي طَالِبٍ‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ‏}‏ قال فيه الطبريُّ، وكثيرٌ من المفسِّرين‏:‏ هو دعاءٌ عليهم، وقال قومٌ‏:‏ بل أمر النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه أنْ يواجهُوهم بهذا؛ فعلَى هذا زال معْنَى الدعاء، وبَقِيَ معنى التقْرِيعِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏‏:‏ وعيدٌ و‏{‏ذَاتَ الصدور‏}‏‏:‏ ما تنطوِي عليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏120- 122‏]‏

‏{‏إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ‏(‏120‏)‏ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏121‏)‏ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏122‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الحَسَنَةُ والسيِّئة؛ في هذه الآية‏:‏ لفظ عامٌّ في كل ما يَحْسُنُ ويَسُوء، قلْتُ‏:‏ ويجبُ على المؤمن أنْ يجتنب هذه الأخلاقَ الذَّميمة؛ وَرُوِّينا في «كتاب الترمذيِّ»، عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ رضي اللَّه عنه، قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ ‏"‏ اه‏.‏

والكَيْد‏:‏ الاحتيالُ بالأباطيل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَكِيدُ كَيْداً‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏ 16‏]‏ من باب تسمية العقوبة باسم الذَّنْب‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ‏}‏ هذا ابتداءُ عتْبِ المؤمنين في أَمْر أُحُدٍ، وفيه نزلَتْ هذه الآياتُ كلُّها، وكان من أمر غزوة أُحُدٍ أَنَّ المُشْرِكِينَ اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجُلٍ، وقصدوا المدينةَ؛ ليأخذوا بثأرهم في يوم بَدْرٍ، فنزلوا عند أُحُدٍ يوم الأربعاء، الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ، سنَةَ ثلاثٍ من الهجرةِ، على رأس أَحَدٍ وثلاثين شهرًا من الهجْرة، وأقاموا هنالك يَوْمَ الخمِيسِ، ورسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة يدبِّر وينتظرُ أمْرَ اللَّهِ سبحانه، فلَمَّا كان في صَبِيحَة يَوْم الجُمُعة، جَمَعَ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم النَّاس واستشارهم، وأخبرهم أنه كان يرى بقرًا تُذْبَح، وثَلْماً في ذُبَابِ سَيْفه، وأنَّهُ يُدْخِلُ يده في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنه تأوَّلها المدينةَ، وقال لهم‏:‏ أرى ألاَّ نخرج إلى هؤلاء الكُفَّارِ، فقال له عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ‏:‏ أَقِمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالنَّاسِ، فَإنْ هُمْ أَقَامُوا، أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا، مَضَوْا خَائِبِينَ، وَإنْ جَاءُونَا إلَى المَدِينَةِ، قَاتَلْنَاهُمْ فِي الأَفْنِيَةِ وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالحِجَارَةِ مِنَ الآطامِ، فَوَاللَّهِ، مَا حَارَبَنَا قَطُّ عَدُوٌّ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ إلاَّ غَلَبْنَاهُ، وَلاَ خَرَجْنَا مِنْهَا إلى عَدُوٍّ إلاَّ غَلَبَنَا، فَوَافَقَ هَذَا الرَّأْيُ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ورَأْيَ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وقَالَ قَوْمٌ مِنْ صُلَحَاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ فَاتَتْهُ بَدْرٌ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ اخرج بِنَا إلى عَدُوِّنَا، وَشَجَّعُوا النَّاسَ، وَدَعَوْا إلَى الحَرْبِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فصلى بِالنَّاسِ صَلاَةَ الجُمُعَةِ، وَقَدْ حَشَّمَهُ هَؤُلاَءِ الدَّاعُونَ إلَى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرِ صَلاَتِهِ بَيْتَهُ، وَلَبِسَ سِلاَحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ، وَقَالُوا‏:‏ أَكْرَهْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سِلاَحِهِ، قَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ، إنْ شِئْتَ، فَإنَّا لاَ نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ سِلاَحَهُ أَنْ يَضَعَهَا؛ حتى يُقَاتِل، ثُمَّ خَرَجَ بِالنَّاسِ، وَسَارَ حتى قَرُبَ مِنْ عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ، فَعَسْكَرَ هُنَالكَ، وَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَقَالَ‏:‏ أَطَاعَهُمْ، وَعَصَانِي، فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، اعتزم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى المَسِيرِ إلى مُنَاجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وَهُوَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فانخزل عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ بِثَلاَثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُنَافِقٍ وَمُتَّبِعٍ، وَقَالُوا‏:‏ نَظُنُّ أَنَّكُمْ لاَ تَلْقَوْنَ قِتَالاً، ومضى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سبْعِمِائةٍ فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حَارِثَةَ مِنَ الأَوْسِ وَبَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بالانْصِرَافِ، وَرَأَوْا كَثَافَةَ المُشْرِكِينَ، وَقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وَكَادُوا أَنْ يَجْبُنُوا، وَيَفْشَلُوا، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ تعالى، وَذَمَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَنَهَضُوا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حتى أَطَلَّ عَلَى المُشْرِكِينَ فَتَصَافَّ النَّاسُ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَّرَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً، وَجَعَلَهُمْ يَحْمُونَ الجَبَلَ وَرَاءَ المُسْلِمِينَ، وَأسْنَدَ هُوَ إلَى الجَبَلِ، فَلَمَّا اضطرمت نَارُ الحَرْبِ، انكشف المُشْرِكُونَ، وانهزموا، وَجَعَلَ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ يَشْدُدْنَ فِي الجَبَلِ، وَيَرْفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قَدْ بَدَتْ خَلاَخِيلُهُنَّ، فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَقُولُونَ‏:‏ الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ لَهُمْ‏:‏ لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هُنَا، وَلَوْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَوْمٌ مِنْهُمْ‏:‏ اتقوا اللَّهَ واثبتوا؛ كَمَا أَمَرَكُمْ نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا، وَخَالَفُوا، وانصرفوا يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَخَلَّوْا ظُهُورَ المُسْلِمِينَ لِلْخَيْلِ، وَجَاءَ خَالِدٌ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ مِنْ خَلْفِ المُسْلِمِينَ، حَيْثُ كَانَ الرُّمَاةُ، فَحَمَلَ عَلَى النَّاسِ، وَوَقَعَ التَّخَاذُلُ، وَصِيحَ فِي المُسْلِمِينَ مِنْ مُقَدِّمَتِهِم، وَمِنْ سَاقَتِهِمْ، وَصَرَخَ صَارِخٌ‏:‏ قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخَاذَلَ النَّاسِ، واستشهد مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعُونَ، وَتَحَيَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَعْلَى الجَبَلِ، وَتَحَاوَزَ النَّاسُ ‏"‏‏.‏

هَذَا مختصرٌ من القصَّة يتركَّب عليه تفسيرُ الآياتِ، وأمْرِ أُحُدٍ مستوعَبٌ في السِّيَرِ، وليس هذا التعليقُ ممَّا يقتضي ذكْرَهُ، و‏{‏تُبَوِّئُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تُعَيِّنُ لهم مقاعدَ يتمكَّنون فيها، ويثْبُتُون، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مقاعد‏}‏‏:‏ جمعُ مَقْعَدٍ، وهو مكانُ القعود، وهذا بمنزلة قولك‏:‏ مَوَاقِف، ولكنَّ لفظة القُعُود أدلُّ على الثبوتِ، ولا سيَّما أنَّ الرماة إنما كانوا قُعُوداً، وكذلك كانَتْ صفوفُ المسلمين أولاً والمُبَارِزَةُ والسَّرعَان يَجُولُون‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله سَمِيعٌ‏}‏، أي‏:‏ ما تقولُ، وما يقالُ لك وقْتَ المشاورة وغيره، و‏{‏هَمَّتْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ أرادَتْ، ولم تَفْعَلْ، والفَشَل‏:‏ في هذا الموضع‏:‏ هو الجُبْن الذي كاد يلحق الطَّائفتين، ففي البُخَاريِّ وغيره، عَنْ جَابِرٍ، قال‏:‏ نزلَتْ هذه الآيةُ فينا؛ إذ همَّت طائفتان في بَنِي سَلِمَةَ وبَنِي حَارِثَةَ، وما أحب أنها لم تنزلْ، واللَّهُ يقولُ‏:‏ ‏{‏والله وَلِيُّهُمَا‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 125‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏123‏)‏ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ‏(‏124‏)‏ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ‏(‏125‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ لمَّا أمر اللَّه سبحانه بالتوكُّل عليه، ذَكَّر بأَمْر بَدْرٍ الذي كان ثَمَرَتُهُ التوكُّلَ عَلَى اللَّه سبحانه، والثِّقَةَ به‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ قليلون، واسم الذُّلِّ في هذا الموضع‏:‏ مستعارٌ؛ إذ نسبتهم إلى عدوِّهم، وإلى جميعِ الكفَّار في أقطار الأرض تَقْتَضِي عند المتأمِّل ذِلَّتَهُمْ، وأنهم مغلوبُونَ؛ رَوَى ابن عمرو ‏"‏ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلاَثِمِائَةٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ حُفَاةٌ، فاحملهم، اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عُرَاةٌ، فاكسهم، اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ جِيَاعٌ، فَأَشْبِعْهُمْ»، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فانقلبوا حِينَ انقلبوا، وَمَا فِيهِمْ رجُلٌ إلاَّ قَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أوْ جمَلَيْنِ، واكتسوا، وَشَبِعُوا ‏"‏ رواه أبو داود، والحاكمُ في «المستدرك على الصَّحيحَيْن»، واللفظ له، وقال‏:‏ صحيحٌ على شرط الشيخَيْن‏.‏ اه من «السلاح»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِذْ تَقُولُ‏}‏‏:‏ العاملُ في «إذ» فعلٌ مضمرٌ، ويحتملُ أنْ يكون العاملُ «نَصَرَكُمْ»، وعلى هذا قولُ الجمهورِ؛ أَنَّ هذا القولَ مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ ببَدْرٍ، قال ابنُ عبَّاس‏:‏ لم تقاتِلِ الملائكةُ في يَوْمٍ من الأيامِ إلا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانوا يكونون في سائرِ الأيام عدَداً ومَدداً لا يَضْرِبُون، قال الشَّعْبِيُّ‏:‏ وهم يحضرون حروبَ المُسْلمين إلى يَوْمِ القيامة، وقال قتادة‏:‏ أمد اللَّه المؤمنين يَوْمَ بَدْر بخَمْسَة آلاف، قال عِكْرِمَةُ‏:‏ كان الوعْدُ يوْمَ بدرٍ، فلم يصْبروا يَوْمَ أُحُدٍ، ولا اتقوا، فلم يُمَدُّوا، ولَوْ مُدُّوا، لَمْ يهزموا، وقال الضَّحَّاك، وابنُ زيدٍ‏:‏ إنما كان هذا الوعدُ والمقالة للمؤمنين يوم أحُدٍ، ففَرَّ الناس، ووَلَّوْا مدبرين، فلم يمدَّهم اللَّه، وإنما مُدَّوا يوم بدر بألفٍ من الملائكة مُرْدِفِينَ، والفَوْرُ‏:‏ النهوضُ المُسْرِعُ إلى الشيء؛ مأخوذ من فَوْرِ القِدْرِ، والماءِ ونحوِهِ؛ ومنْه‏:‏ الفَوْرُ في الحَجِّ والوُضُوءِ و‏{‏مُسَوِّمِينَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ مُعْلِمِينَ بعَلاَماتٍ، وروي أنَّ الملائكةَ أَعْلَمَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بعمائمَ بِيضٍ إلاَّ جِبْرِيل؛ فإنه كان بِعَمَامَةٍ صَفْرَاءَ على مثالِ عَمَامَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ للمسلمينَ يَوْمَ بَدْرٍ‏:‏ ‏"‏ سُوِّمُوا؛ فَإنَّ المَلاَئِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ ‏"‏‏.‏